بقلم المهندس
شربل معوّض

ما سرّك أيها الحبّ، وما سبب حاجة النفس البشرية إليك؟
الكلّ يسعى إليك، أو يكتب فيك وعنك؛ يشكو لوعة فقدانك أو يصف نعيم وجدك… نتفاعل بك منذ نعومة الأظافر ولا نكلّ البحث عنك حتى في سن الكهولة!
عمليًّا، الحبّ هو الصاقل الأكبر للنفس البشرية، خاصةً في ظلّ الحياة الزوجية، حيث لا مفرّ من تنقية النفس من سلبياتها، ودوزنة المسلك عبر توسيع مقدرة الاحتواء وفهم الآخر، التحلّي بالصبر والإصغاء، بالإضافة إلى التجدّد والمرح والرقة في التعبير. فلا بدّ من اكتساب هذه الإيجابيات لتقريب المسافات بين الشريكين، وإحقاق الانصهار بينهما للارتقاء بالحبّ والتوسّع في فهمه…
هذا كلّه صحيح، لكنّ كتاب ”تعرّف إلى الحبّ“ بقلم الدكتور جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م)، مؤسس مركز علم الإيزوتيريك الأول في لبنان والعالم العربي، والذي في رصيده ما يفوق المئة كتاب في أكثر من سبع لغات، قدّم مفهومًا جديدًا للحبّ يرقى فوق كلّ التعريفات التي أُعطيت له على مرّ العصور… فقد ورد في ص22 من الكتاب ”أنّ الحبّ هو هدف النفس الأصيل في بُعد المادة“. فلماذا كلّ هذه الأهمية؟
الرابط الخفي…
يقول الإيزوتيريك ”الحبّ صفة إلهية في الأصل، تفتّح عليها بنو البشر كصفة إنسانية“ كما ورد في كتاب ”محاضرات في الإيزوتيريك – الجزء التاسع“ بقلم الدكتور مجدلاني (ج ب م) ص٥٤ فيما أسهب كتاب ”المرأة والرجل في مفهوم الإيزوتيريك“ ص37، وهو أيضًا بقلم الدكتور مجدلاني (ج ب م)، في شرح سبب انشطار الإنسان الكامل إلى نصفين (المرأة والرجل). فنستنتج أنّ الحبّ لم يستجد على وعي الإنسان في مسيرة تطوّره، بل هو من صلب تكوينه الإنساني، فالبشري؛ أي إنّ انشطار الإنسان الكامل في شطرين، السالب والموجب، أوجد هذا الرابط الخفي والجاذب الذي لا ينقطع بين النصفين إلى حين توحدهما من جديد. وما علاقة الحبّ سوى انعكاس لهذا الرابط، يعيشه الإنسان مع نصفه الأفضل في كلّ دورة حياتية للارتقاء من جديد إلى فهم هذا الرابط المقدس الذي يجمع كماله في قطبين…
لا بد هنا من السؤال، بما أنّ التطوّر في الوعي هو هدف الخلق برمّته، كما يوضح منهج علم الإيزوتيريك، فكيف للحبّ أن يكون هو أيضًا هدفًا للنفس في عالم المادة؟
والجواب استنتجته من كتاب ”تعرّف إلى الحبّ“ بقلم الدكتور مجدلاني (ج ب م) ص23 حيث ورد ما مفاده أنّ الحبّ هو أحد أنماط الوعي، أي إنّ مسيرة الوعي عنوانها الحبّ في امتداد أبعاد عوالم الشكل، عوالم النفس البشرية، ومن ضمنها عالم الأرض. هذه المسيرة تتواصل عموديًّا تحت عناوين أخرى كالمحبّة والإرادة وصولًا إلى الحكمة. ولعلّ هذا ما يدفع إلى الاستنتاج أنّ الحبّ المتفتّح في النفس البشرية يمثّل مقياس الوعي الفاعل فيها!
وللتأكيد على دور الحبّ الريادي في الارتقاء بالمرء من البشري إلى الإنساني، قدّم كتاب ”الأشعة الروحيّة – الإنسانيّة – البشريّة“ بقلم الدكتور مجدلاني (ج ب م) ثلاثية ”الحرية – الحبّ – الزواج“، موضحًا أنّها محور هدف الأعراق البشرية السبعة وبرنامج عملها! ”فخبرة هذه الأعراق أو تجربتها هي ارتقاء في تطبيق هذه المعادلة عمليًّا“… كما ورد في ص53 من الكتاب المذكور، وكما نراه جليًا في شروحاته لهدف كل عرق منفردًا…
استنتاجًا ممّا تقدّم، فإن كان الحبّ هو الهدف، فثلاثية ”الحرية – الحبّ – الزواج“ هي المنهج للارتقاء بهذا الهدف عمليًّا وتحقيق الغاية المرجوّة منه.
الحرية، كما يوضح علم الإيزوتيريك، ”أيديولوجية وعي“. فهي تتوسّع على قدر توسّع رقعة الوعي الفاعل في النفس، فما من حرية من دون وعي… إنّها حلقة مترابطة: الحبّ لازمة الوعي، والحرية نتيجة التطور في كليهما على حدٍ سواء.
من أجل الحبّ…
ثمّ يأتي الحبّ، محور الثلاثية المذكورة، ومحور اهتمامات البشر… فمَن غيره يستطيع أن يحقّق المعجزات في حياة الإنسان ويعيد اللُّحمة بين أبعاد النفس؟ من أجله (الحبّ) يسعى المرء جاهدًا ليكون أفضل، أفضل شكلًا وخُلقًا ومكانةً إلخ… من أجله يتخطّى أصعب المواقف، ويواجه أشرس العثرات. يمكّنه من اختبار طاقات لم يعها من قبل في نفسه، ومن عيش أحاسيس لم يدرك قبلًا وجودها… من خلاله يختبر نسبية الزمن على الأرض، ويتنبّه لشاعرية جمال الطبيعة من حوله… هو الحبّ، أرقى عاطفة إنسانية، لحن الذات الإنسانية تعزفه النفس البشرية.
أمّا الزواج، فهو تتويج لعلاقة الحبّ… إنّه جسد الحبّ، والعهد الذي تقطعه النفس للأخذ بيد الشريك، للارتقاء سويًّا على معارج الوعي… ويكتمل رابط الزواج بالإنجاب، فينمو الحبّ ويتوسّع بالمحبّة عبر تربية الأبناء كمسؤولية ما بعدها مسؤولية في فهم العلاقات بين البشر. فالتربية هي الوجه العملي للمحبّة في عالم الأرض… هكذا، وهكذا فقط، يعيش الإنسان شذرات من المقدرات الهاجعة داخله… ويتفجّر العطاء في نفسه بديهيًّا وتلقائيًّا، فتتوسّع فيها طاقة الحبّ.
في الخلاصة، لعلّه يمكن القول إنّ الحبّ الواعي، كما شرحه علم الإيزوتريك، هو الطريق المختصرة لتحقيق هدف الخلق، عبر الارتقاء بالمشاركة بين الجنسين إلى الحبّ الإنساني الصحيح، وتفعيل ثلاثية ”الحريّة – الحبّ – الزواج“، وتحقيقها كلحمة داخلية تسمو إلى حيث يعي المرء مفهوم الحرية الحقيقية في كنف الزواج، وينطلق عبر الزواج إلى حرية أرقى وعيًا وأعمق تجربةً وأكثر شمولية…