بقلم المهندس زياد دكاش
ثمّة شيء في فعل العطاء لا يُقاس ”بكفّة“ اليد الممتدّة ولا بما يوضع فيها. العطاء أوسع من مجرّد يدٍ تُعطي، وأعمق من لحظة شفقة. فمِن الناس مَن يرى في العطاء منحةً ظرفية، ومنهم مَن يدركه مسؤولية تُلامس جوهر الوجود الإنساني. لكن كثيرًا ما تُربكنا العاطفة، فتدفعنا إلى تصرّفٍ سريع يهدّئ الضمير، لكنّه لا يُحدث فرقًا. هكذا، ينحصر العطاء أحيانًا في ردّة فعل ظرفية، من دون أن يتساءل صاحبه عمّا إذا كان قد ساعد حقًا… أم اكتفى بأن يشعر بأنّه ساعد!
في هذا السياق، يُظهر الواقع أنّ الجوع، الفقر، التسوّل، التشرّد… وسائر أوجه الحاجات الإنسانية، ليست إلّا تمظهرًا لأسبابٍ داخلية وبنيوية خافية. من هنا، يبدو العطاء المُجدي ذاك الذي يبتعد عن ردود الفعل العاطفية العابرة، ويغوص في تحليل الأسباب والعوامل التي تُنتج الحاجة. فالعطاء الواعي يسعى إلى تمكين كرامة الإنسان.
الفقر، على سبيل المثال، ليس مجرد نقصٍ في المال، بل هو انعكاس لسلسلة من العوامل المتشابكة. قد يكون التعليم المحدود، أو الفرص الاقتصادية الضئيلة، أو البيئة الاجتماعية غير الداعمة، أو… أو… من هنا، فإنّ التغيير الجذري يتطلب نظرة واعية تتجاوز الحلول السطحية والمؤقتة إلى معالجة المشكلة من جذورها، انتقالًا من العطاء العاطفي إلى العطاء الواعي.
العطاء نهج متكامل…
كلّما ارتفعت درجة الوعي الجماعي، زادت المقدرة على بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا. فحين يُدرك المرء أنّ العطاء ليس منحة ولا مجرّد إحسان، بل مسؤولية تهدف إلى بناء مستقبل أفضل، يتحوّل فعل العطاء من تصرفٍ عابرٍ إلى نهجٍ متكاملٍ يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وواقعه، ويصبو إلى رفع درجة الوعي الجماعي. وعندما تُربّى الأجيال القادمة على قيم العطاء الواعي، عندها يؤسّس المربّون والمعنيّون لمجتمع يُقدّر القيمة الحقيقية للمساعدة في بُعدها الإنساني، وليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في أثرها العميق والممتد عبر الزمن.
في العمق، يكشف علم الإيزوتيريك أنّ كلّ هذه المشكلات تتغذى من جَذْرٍ واحدٍ: غياب الوعي. فالمجتمع الذي يجهل الأسباب الحقيقية وراء الفقر لن يعالجه بفاعليّة. هنا يأتي العطاء الواعي، العطاء لرفع مستوى وعي الفرد، ويحفّزه للخروج من دوامة الحاجة إلى الاكتفاء، ومن كونه متلقٍ إلى الاتكال على النفس، بعد تعزيز مقدراتها وإزالة أسباب ضعفها. إنّه عطاء المعرفة.
عطاء المعرفة لا يسدّ حاجة يومٍ واحد، بل يفتح درب تطوّر. إنّه العطاء الذي لا ينفد، لأنّ أثره لا يتوقّف عند لحظة تلقّيه، بل يتجدّد كلّما تفاعل المتلقّي بما تلقّاه وفعّله في واقع حياته. هو العطاء الذي يتحوّل إلى مقدرة، وإلى نورٍ داخلي، إنْ قدّر المتلقّي الفرصة المعطاة له بعزم وإرادة للتغيير. عطاء المعرفة في سبيل تفتيح الوعي من شأنه أن يشكّل الشرارة التي تُطلق حركة تغيير واسعة النطاق، لأنّ ”العطاء الحق هو عطاء القلب وعطاء الروح، عطاء المعرفة وعطاء الوعي، إسداء النصح والإرشاد، هو المساعدة والمشاركة والتعاون، وهو العلاقة البشرية التي تسير بالإنسان إلى التكامل الإنساني“، كما ذكر الدكتور جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م) في كتابه ”الإيزوتيريك يثقّف ملكًا“ ص٧٥، وهو مؤسّس مركز علم الإيزوتيريك الأوّل في لبنان والعالم العربي.
العطاء فلسفة حياة…
من أبرز التحديات في مسألة العطاء، ضمان استمراريته. فالعطاء الذي يستند بالكامل إلى التبرعات أو المِنَح المادية الظرفية، قد يفقد فاعليته مع مرور الوقت، ويقف عاجزًا أمام تفاقم الحاجات. من هنا تبرز أهميّة حكمة مَن يُقدِم على العطاء، فضلًا عن اكتفائه الذاتي وسعيه الدائم للتطوّر، كي يقدّم إلى الآخر من عصارة تطوّره وحصاد وعيه.
فالعطاء في جوهره فلسفة حياة تعكس مدى وعي المرء لمسؤوليته تجاه نفسه وتجاه مجتمعه. وكما وصفه كتاب الدكتور مجدلاني (ج ب م) في كتابه ”رحلة في خفايا الذات الإنسانية“ ص ١٤١:
”العطاء تجسيد المحبة شرط أن يكون العطاء حكيمًا“.
الارتقاء في العطاء هو ارتقاء من الاستجابة العاطفية إلى طريقة حياةٍ يتخلّل فيها العطاء الحكيم كلّ قولٍ وفعلٍ. وأهميته ليست في حجمه، بل في عمقه، وفي أثره في وعي مَن يعطي ومَن يتلقّى… أثر المعرفة التي يتلقّاها في تهذيب مسلكه، وتنقية نفسه، وتعزيز بصيرته ليقرأ واقعه بعينٍ جديدة، ويسعى إلى تغييره بإرادة واعية. فعطاء المعرفة الواعي، كما يشرحه علم الإيزوتيريك، يتخطّى مجرد تخفيف معاناة عابرة، ليصبح قوة قادرة على تغيير المصير.