بقلم المهندس راجي زيتوني
الفلسفة رحلة في مجاهل النفس والكون، فيها يلتقي الفكر بالوجدان، وفيها يتعرّف الإنسان إلى مسيرة حضارة ما منذ بداياتها. الفلسفة نهر ينبع من تساؤلات النفوس الظامئة للمعرفة وحقائق الوجود؛ نبع يناجي يقين العقل وينساب إلى أبعد الآفاق. فما يعرفه عامة الناس عن الفلسفة في الزمن الراهن لا يفيها حقّها، لأنّ الفلسفة بمفهومها العام عنوان شاسع مترامي الأطراف يشمل فروع عدّة؛ وهي علم المنطق (Logic)، علم الأخلاق (Ethics)، علم النفس (Psychology)، نظرية المعرفة (Epistemology)، علم الجمال (Aesthetics)، والميتافيزيقيا (Metaphysics).
لماذا فقدت الفلسفة قيمتها ومعناها الأصيل على مرّ الزمن، حتى باتت تُنسَب إلى السفسطة والجدل العقيم؟
يشرح الدكتور جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م) في كتابه ”الإيزوتيريك علم المعرفة ومعرفة العلم“ (الطبعة الثالثة) ص٣٢ أنّ المعرفة الكاملة تجزّأت إلى أربعة أبعاد أو أقانيم وهي: ”الفلسفات – الأديان – العلوم – الفنون“، ويقول إنّ ”المعرفة الكاملة هي الوحيدة التي يمكنها أن تقود الإنسان إلى الكمال المنشود. لذلك يجب على الإنسان أن يكتسب ويتقن جميع الأجزاء المعارفية المذكورة آنفًا، ليبلغ كمال المعرفة“. إذًا، الفلسفة من أقانيم المعرفة التي يجب على كلّ إنسان الإلمام بها، إذا أراد أن يكتمل بوعيه!
شهدت الفلسفة تاريخيًّا تعريفات متعدّدة ومتنوّعة، كلّ منها يعكس رؤية حضارية وفكرية مختلفة حول ماهيّة الفلسفة وغايتها؛ منها ”علم الأمور الإلهية والبشرية وأسبابها الكامنة فيها“ (شيشرون 106-43 ق.م.)، و”علم الأشياء المستنبطة بوضوح من المبادئ الأولى“ (ديكارت 1685 م.) و”علم العلوم“ (فيشته 1814 م.)، وغيرها الكثير… فنجد أنّ الفلاسفة عبر التاريخ لم يتّفقوا على تعريف واحد للفلسفة. وكما ورد في كتاب الدكتور جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م) المذكور آنفًا ص٥١ ”ما صنّفته معرفة الفلسفة من علوم في الزمن الحاضر تظهر أحيانًا كثيرة ناقصة، أو غير أكيدة، بل ومتناقضة…! كلّ ذلك لأنّ الفلاسفة أخرجوا الفلسفة عن مسارها الأصيل“.
ويشرح كتاب الدكتور جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م) أيضًا حقيقة الفلسفة، أصلها وهدفها، حيث يعيد لها مكانتها الراقية، يعيدها إلى أصولها أو جذورها التاريخية. ويكشف في ص٤٨ أنّ ”الفكر اليوناني كان أوّل مَن بدأ التفكير المنهجي والبحث المنطقي في أصل الإنسان والوجود والخلق“. وهو أيضًا ”كان أوّل مَن وضع مناهج محددة للتفكير المنطقي السليم الذي يعود إلى العلّة الأولى. هذه المناهج هي ما دُعيت بالفلسفات… أي إنّ الفلسفات طرق تفكير منطقي واستنتاج للوصول إلى الحكمة في نهاية الأمر“.
وللإجابة عن السؤال لماذا فقدت الفلسفة مكانتها التاريخية بعدما كانت ”بمعناها اليوناني الأصيل (Philo-Sophia) أي محبّة الحكمة“، فمن خلال قراءة التاريخ، نجد أنّ الفلسفة اليونانية حوت أقانيم المعرفة بشموليتها من علوم وفنون وفلسفات، وخاصة ما قدّمه أربابها الكبار للبشرية أمثال طاليس، فيتاغوراس، سقراط، أفلاطون وأرسطو. ويقول الدكتور جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م) في كتابه ص ٤٨ ”لا يذكر التاريخ عن مناهج أو فلسفات برزت في مناطق أخرى من العالم، غير اليونان. هذا ومجمل الفلسفات المتتالية التي صبّت في المجالات الدينية والوجدانية، أو السياسية والاقتصادية، انبثقت من تلك المناهج الفكرية الأساسية، أو من الفلسفات اليونانية الأصيلة“.
الملفت أنّه حتى المناهج التعليمية في الزمن الراهن يعود أصلها إلى أكاديمية أفلاطون (Academy) وليسّيه أرسطو (Lyceum). لكن يبدو أنّ العلم استساغ فقط الجانب المادي الظاهر، أي الملموس والمحسوس من المعرفة الكاملة التي قدّموها، بالتالي كلّ ما يمكن إخضاعه للمختبر المادي، كعلوم الطبيعة والفلك والرياضيات والفيزياء والنفس والطب وغيرها. وهكذا اقتصرت الفلسفة على العناوين الستة المذكورة في مقدمة هذا المقال، والتي هي أقرب إلى اللامادة-الباطن، منها إلى المادة-الظاهر.
لا شكّ في أنّ الفضل في التطوّر التكنولوجي الحالي يعود إلى العلوم المنبثقة من الفلسفة اليونانية الأصيلة. ولكن يبدو أنّ البشر يتغاضون عامة عمّا له علاقة باللامادة، ويتأثرون أكثر بالاختراعات العلمية والتكنولوجيا المادية، لأنّها ملموسة في الحياة اليومية… ولعلّ ذلك بسبب افتقار الفلسفة المعاصرة إلى الجانب التطبيقي العملي بشكل عام، أو ربما لعدم ميل الأكثرية إلى الاطلاع والثقافة في الزمن الراهن.
خلاصة القول، الفلسفة لازمة لاكتمال الإنسان بوعيه لأنّها من أقانيم المعرفة الأربعة، وهي ليست أمرًا صعب الإدراك، بل هي أقرب المعارف إلى الإنسان إن شاء ذلك. لكنّ الناحية النظرية التي صُبغت بها على مرّ التاريخ هي التي جعلت المرء يتجنّب خوض غمارها. ويذكر أيضًا الدكتور جوزيف ب. مجدلاني (ج ب م) في كتابه المذكور أعلاه ص ٥٣ ”الفلسفة لن تضمحل في المستقبل، بل ستُنقّى ممّا أضيف إليها أو نُسب إليها خطأً… لتعود إلى مكانتها السامية، وستبقى الفلسفة مناهج عقلية توسع آفاق الفكر الإنساني، وتوقظ حبّ التساؤل في الأعماق، وحبّ المعرفة والاكتساب…“.
